السيد محمد الطباطبائي الكربلائي
248
مفاتيح الأصول
يتقيد الأول دون الثاني انتهى وفي الإحكام في مقام الجواب عن الحجة المذكورة وعن الثالث قولهم إن الخطاب إن كان موقتا فلا يكون قابلا للنسخ لا نسلم ذلك فإنه لو قال في رمضان حجّوا في هذه السنة ثم قال قبل عرفة لا تحجوا فإنه يكون جائزا عندنا على ما يأتي في جواز نسخ الأمر قبل التمكن من الفعل قولهم وإن كان دالا على التأبيد فهو محال لا نسلم ذلك وأشار إلى ما ذكره في النهاية أيضا ومنها ما ذكره في النهاية فقال احتج منكر والنسخ بأنه لو جاز نسخ الأحكام الشرعيّة باعتبار اختلاف الأوقات في المصلحة والمفسدة لجاز نسخ ما وجب من الاعتقادات من باب التوحيد والعدل وغير ذلك والتالي باطل بالإجماع ثم أجاب عن هذا فقال الجواب أن النسخ لا يرد على جميع الأحكام بل على ما يقبل التبديل والتغيير على ما يأتي والأصل في ذلك أن اعتقاد التوحيد وكلَّما يستند معرفته إلى العقل كان وجوبه ثابتا بالعقل عند المعتزلة ونمنع نسخ ما ثبت وجوبه عقلا لأن الشارع لا يأتي بما يخالف العقل ولأن الأحكام الشرعية إنّما هي ألطاف في الواجبات العقلية ومقربة إليها فلا تكون رافعة لها وعند الأشاعرة يجوز نسخه ومنعوا الإجماع لأن العقل يجوز أن لا يرد الشّرع بوجوبه ابتداء فضلا عن نسخه بعد وجوبه انتهى وقد أشار إليه في الإحكام أيضا ومنها ما ذكره في النهاية أيضا فقال احتج منكر والنسخ بأن الفعل إن كان طاعة استحال النّهي عنه وإن كان معصية استحال الأمر به ثم أجاب عن هذا فقال الجواب إن الطاعة والمعصية ليستا من صفات الأفعال مطلقا بل من حيث صدورها عن العبد امتثالا للأمر أو للإرادة على الخلاف والفعل الصّادر من المكلَّف إذا كان مأمورا به كان طاعة وإذا نهي عنه ففعله معصية انتهى وأشار إلى هذا الجواب في الإحكام أيضا ومنها ما ذكره في النهاية أيضا فقال احتج منكروا النسخ عقلا بأن الفعل إن كان مرادا فقد صار بالنهي مكروها وإن كان مكروها فقد صار بالأمر مرادا ثم أجاب عن هذا فقال الجواب أنه مراد ومكروه باعتبار الوقتين ولا استحالة في ذلك على أن الأشاعرة منعوا من استلزام الأمر والنهي الإرادة والكراهة انتهى وأشار إلى هذا الجواب في الإحكام أيضا ومنها ما ذكره في المعارج فقال احتج المانع بأنه لو جاز النسخ لزم منه الأمر بالشيء والنهي عنه وهو فاسد لأن الأمر يدل على حسن المأمور به فلو نهي عنه لانتقضت الدّلالة ثم أجاب فقال الجواب لا نسلم أنه يلزم منه الأمر بالشيء والنهي عنه لأنا بيّنا أن دليل الأول تناول غير ما تناوله قوله لو نهي إلى آخره قلنا لا نسلم لأن الدليل الثاني دل على قبح علم لم يدل عليه الأول فلم ينقض دلالته وجرى ذلك مجرى ما علم زواله عقلا فإن الشرع إذا دل على وجوب فعل فإذا عجز عنه المكلف سقط بالعجز ولا يلزم أن يكون العجز ناقضا لدلالة الوجوب فكذا مسألتنا انتهى وفي العدة الجواب عن الشبهة الرّابعة وهي قولهم إن الأمر بإطلاقه يدل على حسن المأمور به أبدا فلا نهي عنه لانتقضت دلالته على ذلك فهو أن الأمر عندنا لا يقتضي التكرار وإنما يقتضي الفعل مرة واحدة فعلى هذه الشبهة فإن اقترن باللَّفظ قول الأمر افعل أبدا فلفظ التأبيد لا يفيد الدّوام على كلّ حال لأن هذه اللَّفظة تستعمل فيما لا يراد الدّوام ألا ترى أن القائل يقول الزم فلانا أبدا أو امض في طلب العلم أبدا وغير ذلك ونحن نعلم أنه لا يراد بجميع ذلك الدوام لأنه لا بدّ من انقطاع المأمور به وإن اقترن باللفظ دليل يدل على أن المراد بالأمر التكرار فذلك أيضا لا يدلّ على الدّوام لأنه إنما يقتضي تكرار الفعل ما دام مصلحة فأمّا إذا تغيرت به فلا يقتضيه لأن دلالة السّمع ترتب على دلالة العقل ومعلوم بالعقل أن اللَّه يأمرنا بالفعل ما دام مصلحة لنا فإذا صار مثله مفسدة وجب أن ينهى عنه ويجري ذلك مجرى ما علم بالعقل ما دمنا قادرين فإذا عجزنا عنه سقط التكليف عنّا فإذا ثبت ذلك كان أمره تعالى مرتبا على دليل العقل ويصير ذلك في الحكم المنطوق به وإذا ثبت ما قلناه فقولهم إن النّهي ينقض دلالة الأمر كقول القائل إن العجز المزيل للزوم المأمور به ينقض دلالة الآخر وذلك مبيّن الفساد وينبغي التنبيه على أمور الأوّل صرح في المعارج والتهذيب والمبادي وشرحه والمنية والزبدة والمعالم والمعراج والإحكام وشرح المختصر بوقوع النسخ ولا إشكال فيه وقد حكي عن المعظم ولهم وجوه منها ما يتمسك به في المعارج والنهاية وشرح المبادي والزبدة والإحكام وشرح المختصر وغيرها من أن اللَّه تعالى أمر آدم عليه السّلام أن يزوج بناته ببنيه وقد حرم ذلك في شريعة من بعده ونسخ وزاد في الإحكام فقال فإن قيل يحتمل أن أمر آدم عليه السلام كان مقيدا بظهور شرع من بعده لا يكون نسخا لانتهاء مدّة الحكم الأوّل لكونه مقيدا بظهور شرع من بعده قلنا الأمر لآدم عليه السلام كان مطلقا والأصل عدم التقييد وإن قيل أنه كان مقيّدا في علم اللَّه سبحانه بظهور شريعة أخرى قلنا هذا هو عين النسخ فإن اللَّه تعالى إذا أمر بالفعل مطلقا فهو عالم أنه سينسخه ويعلم وقت نسخه فتقييده في علمه لا يخرجه عن حقيقة النسخ ومنها ما تمسك به في المعارج والنهاية والمبادي وشرحه وغاية المأمول والإحكام من أنه ورد في التوراة أن اللَّه تعالى قال لنوح عليه السلام عند خروجه من الفلك